ميرزا حسين النوري الطبرسي
442
النجم الثاقب
وروى عن سدير الصيرفي انّه قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح خيبريّ ( 1 ) مطوّق بلا جيب ، مقصّر الكمّين ، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيير في عارضيه ، وأبلى الدّموع محجريه ، وهو يقول : سيدي غيبتُكَ نفتْ رقادي ، وضيّقت عليّ مهادي ، وابتزّت منّي راحة فؤادي ، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد ، فما اُحسّ بدمعة ترقى من عيني وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرّزايا وسوالف البلايا الّا مثّل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها ، وبواقي أشدّها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك . قال سدير : فاستطارت عقولنا ولهاً ، وتصدّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل ، والحادث الغائل ، وظننّا انّه سمت لمكروهة قارعة ، أو حلّت به من الدّهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك ، من أيّة حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك ؟ وأيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟ قال : فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه ، واشتدّ عنها خوفه ، وقال : ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرّزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصّ الله به محمداً والأئمة من بعده عليهم السلام ، وتأمّلت منه مولد قائمنا وغيبته وإبطائه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان ، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم ، وخلعهم ربقة الاسلام من أعناقهم التي قال الله تقدّس
--> 1 - المسح : الكساء من الشعر .